ثقافة فيلم زريعتنا لأنيس لسود: تعرية لواقع اجتماعي أليم بعد عقد من الثورة التونسية
حين تتحول الكاميرا إلى أداة لرصد الواقع بصدق، دون تزييف أو تلميع، وتنقل تفاصيله بحلوها ومرّها، يبلغ العمل الفني المتلقي ويأسره، بل ويترك أثرا عميقا في وجدانه. وهذا تحديدا ما لمسناه وما عشناه في الفيلم الوثائقي الطويل "زريعتنا" للمخرج التونسي أنيس لسود، الذي عُرض ضمن فعاليات الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية.
"زريعتنا" صرخة سينمائية مدوية أطلقتها عدسة لسود، عرت واقعا اجتماعيا وسياسيا أليما بعد عقد من الثورة التونسية. فالفيلم لم يكتف بسرد الأحداث، بل كان عبارة عن وثيقة بصرية نقلت حالة التخبط والضياع التي تعيشها شرائح واسعة من المجتمع، وخاصة الشباب بمختلف طبقاتهم ومستوياتهم الفكرية والعلمية. حيث وصل بهم فقدان الأمل إلى خلاصة واحدة وهي التفكير في الهجرة غير الشرعية "الحرقة" وترك البلاد، في ظاهرة تعكس عمق الأزمة الوطنية.
تنقل "زريعتنا" ببراعة بين يوميات عائلتين تونسيتين، إحداهما تنتمي إلى الطبقة فوق المتوسطة وتعيش في بحبوحة نسبية، والأخرى عائلة متوسطة الدخل وبسيطة. ويرصد الفيلم منذ المشهد الأول التباين الصارخ في الظروف الاقتصادية والاجتماعية بينهما، فبينما توفر العائلة الأولى كل حاجيات طفليها، تحرم الثانية أبناءها الأربعة من أبسط مستلزمات الحياة الكريمة.
ورغم هذا التباين، يسيطر على حوار أطفال العائلتين جملة ذات معنى واحد رغم اختلاف طرق التعبير من "أريد السفر" إلى البحث عن "حرقة"، لتكون النتيجة واحدة هي مغادرة تونس. هذا التقاطع المأساوي يمثل النقطة النقدية الأهم في الفيلم، حيث يضع لسود إصبعه على أصل الداء، موضحا كيف فشلت الدولة التونسية في تحقيق شعارات الثورة وضمان الكرامة والعيش الكريم والأمن لشعبها.
كان حسن اختيار النماذج نقطة قوة في "زريعتنا"، حيث يجمع العائلتين قاسم مشترك عميق رغم الاختلاف الطبقي يتمثل في حب الأبناء والسعي لتحقيق رغباتهم وتوفير مستقبل أفضل لهم.
الفيلم لا يروي يوميات هاتين العائلتين فحسب، بل يتخذهما نموذجا مصغرا عن الأغلبية الساحقة للمجتمع التونسي التي تمثلها هاتان الطبقتان، ليؤكد أن فقدان الأمل لم يعد حكرا على طبقة اجتماعية بعينها، بل تحول إلى أزمة وطنية شاملة.
تدور أحداث "زريعتنا" في أماكن مختلفة تحمل دلالات اجتماعية عميقة، بين حي شاكر الذي يرمز إلى الأحياء الشعبية والبساطة، وحي النصر الذي يرمز إلى الرفاهية والطبقة الميسورة. هذا التباين في المستوى المعيشي والفكري بين المكانين يتلاشى في نهاية المطاف حين يلتقي أفراد العائلتين في شارع الحبيب بورقيبة. هذا الشارع، الذي ضم ذات 14 جانفي 2011 شرائح المجتمع بمختلف توجهاته ومعتقداته وطبقاته لإسقاط النظام، يعود ليجمعهم اليوم على حلم واحد: الهروب من واقع لم يحقق وعود الثورة.
لم يقتصر تميز "زريعتنا" على قوة الموضوع ، بل امتد إلى البراعة التقنية والفنية في الإخراج، انطلاقا من جودة التصوير، وصولا إلى الانتقال السلس والمحكم بين قصص العائلتين ومشاهدهما اليومية، مع تدرج متقن في سرد الأحداث، ما أبعد الملل عن المتلقي. حيث اهتم لسود بذكاء بتفاصيل الحياة اليومية للعائلتين لدرجة أن المشاهد يتماهى مع الفيلم ويشعر وكأنه فرد من أفراد هذه العائلات، محققا بذلك أقصى درجات التعاطف والاندماج.
كما برز الأداء العفوي والمؤثر للشخصيات المشاركة في هذا العمل الوثائقي، فعلى الرغم من كونهم شخصيات حقيقية، تحول أداؤهم في بعض المشاهد إلى أداء محترف، وكأننا أمام ممثلين متمرسين، ما يعكس قدرة المخرج على استخلاص أصدق المشاعر وأعمقها من أبطاله.
كما أن اختيار أزمنة التصوير لم يكن اعتباطيا، حيث تزامن مع الانتخابات الرئاسية 2019، ما أضاف بعدا سياسيا للفيلم، إذ يطرح تساؤلا ضمنيا حول جدوى العملية السياسية في ظل استمرار الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
في هذا العمل، نجح أنيس لسود في دمج الواقع الاجتماعي والسياسي بالسرد الإنساني المؤثر، حيث فسح المجال للشباب والأطفال للتعبير عن هواجسهم ومشاكلهم ورؤيتهم لواقعهم ونظرتهم لمستقبلهم. وقد جاءت تصريحاتهم صادمة ويائسة، فبين نظرة إسكندر، الذي يعتقد أن تونس "جميلة لكن شعبها سيئ" ويطمح للدراسة خارجها رغم توفر كل سبل الراحة له، وبين كلمات ياسين، الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره ويطمح إلى "الحرقة" لتحقيق أحلامه وشراء ما عجز والده، عامل البناء البسيط، عن توفيره له، يجمع بينهما، رغم اختلافهما الطبقي والفكري والاجتماعي، رغبة قوية وموحدة في مغادرة تونس.
المخرج أنيس لسود أكد أن رسالة الفيلم تعكس "العجز السياسي في تونس والفساد العارم في مختلف القطاعات"، مشيرا إلى أن العمل استغرق خمس سنوات من التصوير.
لخص المخرج في 80 دقيقة مأساة جيل بأكمله تبخرت أحلامه وسرقت منه، تماما كما سُرقت شعارات الثورة التي لم تتحقق.
وتأتي الخاتمة الصادمة للفيلم، التي لم يتم تصويرها، لتؤكد عمق المأساة التي رصدها. فبعد انتهاء فترة التصوير، تحول حلم الأطفال إلى حقيقة ... لقد غادروا أرض الوطن فعلا. فبينما سافر طفلا العائلة الميسورة للدراسة في الخارج، محققين رغبة عائلتهما في مستقبل أفضل عبر المسارات النظامية، تمكن أطفال العائلة محدودة الدخل من تجاوز حدود الوطن خلسة عبر الهجرة غير النظامية "الحرقة"، مخاطرين بحياتهم بحثا عن الكرامة المفقودة.
إن هذه النهاية المأساوية، التي تتجاوز حدود الشاشة، هي الدليل القاطع على أن "زريعتنا" هو دعوة صادقة ومؤلمة للتأمل في مستقبل تونس، حيث تبحث "ثمرة تونس" أو "زريعتها" عن تربة جديدة للنمو فيها، في إشارة رمزية إلى هجرة الأمل والكفاءات، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية.
سناء الماجري